الغزالي

86

إحياء علوم الدين

فينبغي أن يزن ثواب هذه المخالطات بآفاتها التي ذكرناها ، وعند ذلك قد ترجح العزلة وقد ترجح المخالطة ، فقد حكى عن جماعة من السلف ، مثل مالك وغيره ، ترك إجابة الدعوات وعيادة المرضى ، وحضور الجنائز . بل كانوا أحلاس بيوتهم ، لا يخرجون إلا إلى الجمعة أو زيارة القبور . وبعضهم فارق الأمصار ، وانحاز إلى قلل الجبال ، تفرغا للعبادة ، وفرارا من الشواغل الفائدة السادسة من المخالطة التواضع . فإنه من أفضل المقامات ، ولا يقدر عليه في الوحدة . وقد يكون الكبر سببا في اختيار العزلة . فقد روي في الإسرائيليات ، أن حكيما من الحكماء صنف ثلاثمائة وستين مصحفا في الحكمة ، حتى ظن أنه قد نال عند الله منزلة . فأوحى الله إلى نبيه قل لفلان إنك قد ملأت الأرض نفاقا ، وإني لا أقبل من نفاقك شيئا . قال فتخلى وانفرد في سرب تحت الأرض ، وقال الآن قد بلغت رضا ربي . فأوحى الله إلى نبيه ، قل له إنك لن تبلغ رضاي حتى تخالط الناس وتصبر على أذاهم . فخرج فدخل الأسواق ، وخالط الناس وجالسهم وواكلهم ، وأكل الطعام بينهم ، ومشى في الأسواق معهم . فأوحى الله تعالى إلى نبيه ، الآن قد بلغ رضاي . فكم من معتزل في بيته وباعثه الكبر ، ومانعه عن المحافل أن لا يوقر أو لا يقدم ، أو يرى الترفع عن مخالطتهم أرفع لمحله ، وأبقى لطراوة ذكره بين الناس وقد يعتزل خيفة من أن تظهر مقابحه لو خالط ، فلا تعتقد فيه الزهد والاشتغال بالعبادة فيتخذ البيت سترا على مقابحه ، إبقاء على اعتقاد الناس في زهده وتعبده ، من غير استغراق وقت في الخلوة بذكر أو فكر . وعلامة هؤلاء أنهم يحبون أن يزاروا ولا يحبون أن يزوروا ويفرحون بتقرب العوام والسلاطين إليهم ، واجتماعهم على بابهم وطرقهم ، وتقبيلهم أيديهم على سبيل التبرك . ولو كان الاشتغال بنفسه هو الذي يبغض إليه المخالطة وزيارة الناس ، لبغض إليه زياراتهم له ، كما حكيناه عن الفضيل حيث قال : وهل جئتني إلا لأتزين لك وتتزين لي وعن حاتم الأصم أنه قال للأمير الذي زاره : حاجتي أن لا أراك ولا تراني . فمن ليس مشغولا مع نفسه بذكر الله ، فاعتزاله عن الناس سببه شدة اشتغاله بالناس ، لأن قلبه متجرد للالتفات إلى نظرهم إليه بعين الوقار والاحترام